عبد الملك الجويني
279
الشامل في أصول الدين
اعتماداته اللازمة من جهة سفل . ولا جواب للجبائي عما صوره أبو هاشم في تجاذب الحبل في جهتين . ومما اختلفوا فيه اشتراط الرطوبة واليبوسة في الاعتمادات اللازمة . فذهب أبو هاشم إلى أن الاعتمادات السفلية اللازمة شرط ثبوتها الرطوبة ، والاعتمادات العلوية اللازمة شرط ثبوتها اليبوسة . فكل متسفل رطب ، وكل مستعل يابس . وأبى الجبائي اشتراط الرطوبة واليبوسة في الاعتمادين . واستدل بأن قال : الحجر الثقيل الذي حميت عليه الشمس أحقابا ، متسفل هاو ولا رطوبة فيه . وحقق ذلك بأن قال : الصفيحة العليا منه يابسة مدرك جفافها ويبسها بالحس ، ومراغم ذلك ينتسب إلى جحد الضرورة . ولو ساغ جحد درك اليبس فيما صورناه ، ساغ جحد إدراك الرطوبة في كل رطب . ثم إذا وضح ذلك في الصفيحة العليا ، فكذلك القول في الأجزاء الباطنة المكتمنة بالأجزاء الظاهرة . فإن الحجر لو انفلق وتصدع أحسسنا مما بطن فيه ما نحسه من الصفيحة العليا . ومن الدليل على فساد قولي أبي هاشم : أن الاعتماد اللازم لو افتقر إلى رطوبة أو يبوسة ، لافتقر المجتلب في تلك الجهة أو في غيرها إلى ما افتقر إليه اللازم . ولما صح اجتلاب اعتمادات علوية في الرطب واجتلاب اعتمادات سفلية في اليابس ، دلّ ذلك على بطلان قول أبي هاشم . ومما تمسك به الجبائي أن قال : ما لا تشترط الحياة فيه والبنية المخصوصة ، فلا معنى لاشتراط الرطوبة أو اليبوسة فيه . والدليل عليه أن التأليف عند أبي هاشم غير مشروط بالرطوبة ، مصيرا منه إلى أن المعنى إذا لم يتعد حكمه محله ، فلا يشترط في قيامه بمحله غيرهما . وليس لأبي هاشم عصمة في المسألة يتشبث بها ، إلا أنه قال : الحجر إذا عرض على النار وأوقدت عليه النار زمنا ، فإما أن ينكسر ويجف ويتفتت حتى يتصعد ، وإما أن يسيل ويذاب . وكل واحد من الأمرين دليل على أن الحجر قبل ملاقاة النار كان رطبا ، ثم لما نشفت النار رطوبته تكسر وانسال ، فهو من أوضح البراهين على ما فيه من الرطوبة . فإن انذيابه إنما كان بمثابة الجليد ، إذا حميت عليه شمس أو نار . وهذا الذي ذكره أبو هاشم لا محصول له من أوجه : منها أن من الأجسام ما لا يتكلس ولا ينذاب أصلا ، ومنها اليواقيت « 1 » ، ثم هي هاوية معتمدة على جهة سفل ، وكذلك الجرف ربما تسيل أولا ثم تتجمد ، فلا تسيل بعد ذلك ، ولا تؤثر النار فيها إلا باختطاف أجزائها حتى
--> ( 1 ) اليواقيت : ( ج ) ياقوت : حجر من الأحجار الكريمة ، صلب ثقيل شفاف مشرّب بالحمرة أو الزرقة أو الصفرة .